الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

87

مختصر الامثل

وَقَالُوا أَ إِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ( 49 ) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 ) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ( 52 ) حتمية البعث ويوم الحساب : الآيات السابقة تحدّثت عن التوحيد وحاربت الشرك ، أمّا الآيات التي نبحثها الآن فتتحدّث عن المعاد والذي يعتبر مكمّلًا للتوحيد . الآيات التي نحن بصددها أجابت على ثلاثة أسئلة - أو شكوك - يثيرها منكرو المعاد ، ففي البداية تحكي الآيات على لسان المنكرين استفهامهم : « وَقَالُوا أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا » « 1 » . إنّ التعبير القرآني في هذه الآية الكريمة يدلل على أنّ الرسول صلى الله عليه وآله كان يبيّن في دعوته « المعاد الجسماني » بعد موت الإنسان ، إذ لو كان الكلام عن معاد الروح فقط ، لم يكن ثمّة سبب لإيراد مثل هذه الإشكالات من قبل المعارضين والمنكرين . القرآن في إجابته على هؤلاء يبيّن أنّ قضية بعث عظام الإنسان سهلة وممكنة ، بل وأكثر من ذلك ، فحتى لو كنتم حجارة أو حديداً : « قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا » . وحتى لو كنتم أشدّ من الحجر والحديد وأبعد منهما من الحياة : « أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ » . فإنّ البعث سيكون مصيركم . السؤال التشكيكي الآخر الذي يثيره منكرو المعاد هو : إذا سلّمنا بأنّ هذه العظام المندثرة المتلاشية يمكن أن تعود إلى الحياة ، فمن يستطيع أن يقوم بهذا الأمر ، ومن الذي له قدرة القيام بهذه العملية المعقّدة للغاية ؟ هذا السؤال تصوغه الآية بالقول على لسان المنكرين : « فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا » . القرآن يجيب على هذا السؤال حيث يقول : « قُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ » . بعد الانتهاء من الشك الأوّل والثاني الذي يطلقه المنكرون للمعاد ، تنتقل الآيات إلى الشك الثالث الذي تصوغه على لسانهم بهذا السؤال : « فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ » . « سينغضون » : مشتقة من مادة « إنغاض » بمعنى مدّ الرأس نحو الطرف المقابل بسبب التعجب .

--> ( 1 ) « رُفات » : على وزن « كُرات » وهو معنى يطلق على كل شيء قديم ومتلاش .